محمد جمال الدين القاسمي
267
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قادرين أوّلا - لأنه سابقة أصول النعم ، ومقدّمتها ، والسبب في التمكّن من العبادة والشكر وغيرهما - ، ثمّ خلق الأرض - التي هي مكانهم ، ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه - وهي بمنزلة عرصة المسكن ، ومتقلّبه ، ومفترشه ، ثمّ خلق السماء - التي هي كالقبّة المضروبة ، والخيمة المطنّبة - على هذا القرار ، ثمّ ما سوّاه عزّ وجلّ من شبه عقد النكاح بين المقلّة والمظلّة بإنزال الماء منها عليها ، والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار - رزقا لبني آدم ، ليكون لهم ذلك معتبرا ، ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف ، ونعمة يتعرّفونها فيقابلونها بلازم الشكر ، ويتفكّرون في خلق أنفسهم ، وخلق ما فوقهم وتحتهم ، وأنّ شيئا من هذه المخلوقات كلّها لا يقدر على إيجاد شيء منها ، فيتيقّنوا - عند ذلك - أن لا بدّ لها من خالق - ليس كمثلها - حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا ، وهم يعلمون أنها تقدر على نحو ما هو عليه قادر . ونظير هذه الآية قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [ غافر : 64 ] . فمضمونه أنّه الخالق ، الرازق ، مالك الدار وساكنيها ، ورازقهم . فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره . ولمّا احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ، ويحققها . ويبطل الإشراك ، ويهدمه ، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك ، وتصحيحه . وعرّفهم أن من أشرك فقد كابر عقله ، وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه - عطف على ذلك ما هو الحجّة على إثبات نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة ، وأراهم كيف يتعرّفون : أهو من عند الله - كما يدّعي - أم هو من عند نفسه - كما يدّعون - ؟ بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ، ويذوقوا طباعهم ، وهم أبناء جنسه ، وأهل جلدته . فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 23 ] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا - أي من القرآن الذي نزّلناه - عَلى عَبْدِنا